السيد كمال الحيدري
60
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
والحصيلة التي خرج بها الناقدون لنظرية الكسب تنتهى إلى نقطتين : الأولى : اضطراب مفهوم النظرية وعدم استقراره عند أصحابها في مدلول واحد . وبتعبير سبحانى : « والحقّ أنّ الأشاعرة مع أنّهم مالوا يميناً وشمالًا في توضيح الكسب ، لم يأتوا بعبارة واضحة مقنعة » « 1 » . الثانية : إنّ هذه المبادرة التنظيريّة لم تنقذ الموقف الأشعري عامّة من الجبر المحض « 2 » ، ذلك أنّ « الكسب » إمّا أن يكون مؤثِّراً في فعل العبد ، بحيث يكون الفعل فعله حقيقة ، وهذا ما يتعارض مع الأصل الأشعري الذي يؤمن بخلق الله لأفعال العباد ، وهو ما لم يلتزم به أىّ من القائلين بالنظرية . وإمّا أن لا يكون مؤثِّراً ، وعندئذ لا يغنى التذرّع بهذه النظرية شيئاً في زحزحة نزعة الجبر المحض « 3 » . بذلك ، فإنّ هذه النظرية « لا تسمن ولا تُغنى من جوع ، ولا تُخرج القائل من القول بالجبر قدر شعرة ، وإنّما هي غطاء وتلبيس على القول بالجبر » « 4 » . يبدو أنّ هذا الواقع النظري الملتبس ومصادمة الجبر لبداهة الوجدان
--> ( 1 ) الإلهيّات ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 623 . ( 2 ) الطريف أنّ هذا المعنى لم يفت مثقّفاً ماركسيّاً مثل صادق العظم ، حين كتب : « أعتقد أنّ نظرية الكسب نظرية فاسدة ، إنّها نوع من البهلوانيات الفكرية والألاعيب الكلامية نسبة إلى علم الكلام التي لجأ إليها البعض لطمس معالم الاختيار الحاسم الذي يجب على المفكِّر أن يقوم به بين موقفين متعارضين . . . إنّ نظرية الكسب ليست إلّا محاولة لتزييف التضارب القائم بين هاتين النظريتين للأمور » . نقد الفكر الديني ، د . صادق جلال العظم ، ط 3 ، دار الطليعة ؛ بيروت ، 1972 ، ص 144 . ( 3 ) الإلهيّات ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 608 . ( 4 ) ينظر في مناقشة الكسب : هداية الأمّة إلى معارف الأئمّة ، مصدر سابق ، ص 620 فما بعد . كذلك الإلهيّات : مصدر سابق ، ج 1 ، ص 620 فما بعد .